التقدم في السن.. المشكلات والحلول

الإثنين 15 أكتوبر 2012
أخر تحديث : الإثنين 15 أكتوبر 2012 - 10:55 مساءً

العوامل الوراثية والبيئية تلعب دورا مهما في إطالة العمر

 

يعتبر متوسط عمر الإنسان مقياسا إحصائيا لمتوسط حياة الفرد، أي العمر المتوقع أن يبلغه الإنسان. ومنذ 160 عاما وهذا المؤشر في ارتفاع مستمر على مستوى العالم بمعدل ثلاثة أشهر كل سنة، أو بمعدل 2,3 سنة كل عقد من السنين.

وقد تضاعف متوسط العمر خلال المائة عام الماضية في الدول الصناعية. ويقدر العلماء أن أقصى متوسط للعمر يمكن أن يبلغه الإنسان هو سن 120 عاما.

عن هذا الموضوع المشوق الشائك وأبعاده، ومشكلاته، وحلوله، أشار الدكتور عبد الحميد قشقري، استشاري الأمراض الباطنية والسكر والغدد الصماء، إلى أن متوسط العمر عام 1871 كان في ألمانيا مثلا 35.6 عام لدى الرجال و38.5 عام لدى النساء، ووصل عام 1980 إلى 69.9 عام لدى الرجال، و 76.6عام لدى النساء. أما في عام 2008 فقد أصبح متوسط عمر الرجال في ألمانيا 80 عاما، والنساء 86.5 عام.

وبين عام 1978 وعام 1998 ارتفع متوسط العمر في كثير من الدول الناشئة، أكثر من عشر سنوات.

وعلى الرغم من ارتفاع متوسط العمر المستمر هذا فإن العلماء يقدرون، حسب نتائج الأبحاث المتوفرة حتى الآن، أن أقصى معدل للحياة يمكن أن يبلغه الإنسان هو سن 120 عاما. ويرجع سبب ذلك إلى أن انقسام خلايا الجسم لا يتم بصورة غير محدودة للأبد. لذا فإن تراجع إمكانية انقسام الخلايا ونقصها التدريجي نتيجة تقدم السن يؤديان في النهاية إلى فقدان الأعضاء لقدرتها على القيام بوظائفها الحيوية.

ويحمل الحمض النووي (DNA) الموجود في الكروموسومات داخل نواة الخلية، المعلومات الجينية اللازمة لانقسام الخلايا. وبتتابع انقسام الخلية ينقص تدريجيا طول سلسلة الكروموسومات فيها إلى أن يبلغ طول السلسلة حدا لا يمكن معه قراءة المعلومات الجينية. وعندها يتوقف انقسام الخلية وتهرم.

ولدى الخلية اليافعة السليمة إمكانية الانقسام 50 مرة كحد أقصى طوال حياتها. أما الإنسان البالغ في سن الثلاثين فإن خلاياه يمكن أن تنقسم 40 مرة، وعندما يبلغ الإنسان سن الثمانين فإن خلاياه لا يمكنها الانقسام إلا بضع مرات معدودة.

 

ازدياد متوسط العمر

ويذكر د. قشقري أن ارتفاع متوسط العمر الحالي يرجع إلى أسباب عديدة، أبرزها:

 • تحسن الرعاية الصحية.

 • التقدم الطبي والعلمي.

 • تحسن مستوى النظافة والتغذية.

 • القضاء على الكثير من الأمراض المعدية والأوبئة.

 • انخفاض معدل وفيات الأطفال حديثي الولادة.

 • انخفاض الوفيات الناتجة عن أمراض القلب والأوعية الدموية (جلطة القلب، جلطة الدماغ).

 • تحسن ظروف الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

 • زيادة الاهتمام ببرامج الوقاية الأولية والثانوية من عوامل الخطورة risk factors لأمراض القلب والأوعية الدموية (التدخين، ارتفاع ضغط الدم، ارتفاع الكولسترول والدهنيات في الدم، زيادة الوزن).

 

ونتيجة لارتفاع متوسط العمر المطرد فإن نسبة المسنين هي أيضا في تزايد مستمر. فقد تضاعف عشر مرات عدد من هم فوق المائة عام بين عام 1975 وعام 2000، أي خلال خمسة وعشرين عاما.

ويوجد حاليا في ألمانيا نحو عشرة آلاف شخص من الذين يبلغ سنهم فوق المائة عام.

وتلعب العوامل الوراثية بنسبة 25 في المئة دورا مهما في تحديد ما إذا كان الإنسان سينضم إلى نادي المسنين فوق المائة عام، أما العوامل البيئية (النفسية والاجتماعية والجسمية) فإنها تحدد ذلك بنسبة 75 في المئة.

 

مسنون فوق المائة عام

وتبين نتائج الدراسات التي أجريت على المسنين الذين يعيشون فوق المائة عام أنهم يتميزون بعدد من الخصائص المهمة، منها:

• أنهم يعيشون في بيوتهم وليس لدى الأقارب أو في دار المسنين.

• لم يدخنوا قط في حياتهم.

• يحافظون على وزن ثابت فوق الوزن الطبيعي بقليل.

• لا يعانون من أمراض مزمنة.

• يتميزون بشخصية قوية.

• لا يعانون من الاكتئاب، أو الخوف، أو التوتر.

• نشطون في حياتهم ويمارسون العمل الجسدي والذهني.

• يتحلون بالتفكير الإيجابي والتفاؤل.

• متواضعون عند النظر في أمور الحياة كافة.

• يتقبلون الآخرين كما هم بجوانبهم الإيجابية والسلبية.

• لديهم القلب الواسع والروح الكبيرة.

• لا يوزعون الاتهامات على الآخرين ولا يحملونهم مسؤولية ما يحدث.

• يتجنبون الزعل والغضب.

• لديهم رضا عن النفس وعن الناس الذين يحيطون بهم والبيئة التي يعيشون فيها.

• لديهم حب الاطلاع وتعلم الأشياء الجديدة.

• يحافظون على الهدوء والاسترخاء في التعامل مع مشكلات الحياة.

• يرتبطون بالطبيعة.

• يتحلون بوحدة الروح والجسد والعقل.

• لا يعرفون الحسد وحب التملك أو حب الظهور أو الأزمات العائلية.

 

حياة الإنسان

ويمكن تقسيم حياة الإنسان إلى مراحل عدة أو فترات:

• مرحلة النمو: من الولادة إلى سن السابعة عشرة.

• مرحلة البالغين: من سن الثامنة عشرة إلى سن التاسعة والستين.

• مرحلة الحياة الثالثة أو مرحلة الكبر: من سن السبعين إلى سن التاسعة والسبعين.

• مرحلة الحياة الرابعة أو مرحلة الشيخوخة: من سن الثمانين فما فوق.

وهكذا فإن الكبر والشيخوخة هما عبارة عن مرحلة في حياة الإنسان تعقب مرحلة النمو ومرحلة البالغين، وتتزامن عادة مع انتهاء فترة العمل ودخول سن التقاعد.

 

التقدم في السن

وعن التقدم في السن أو الهرم (aging)، يقول د. قشقري إنه ظاهرة التغيرات البيولوجية التي تطرأ على الكائن الحي بتقدم السن، والتي لا يمكن إيقافها أو إرجاعها إلى الوراء.

وتحدث في مرحلة الكبر والشيخوخة تغيرات ذات أبعاد مختلفة في حياة الإنسان، وهي:

• البعد البيولوجي الفيزيولوجي: تحدث خسائر نتيجة لتناقص القدرة على التكيف وقدرة الأداء وقدرة التحمل، مما يجعل الجسم معرضا للأمراض أكثر من ذي قبل، تدني قدرات المفاصل والأعضاء يؤدي إلى نقص الحركة.

• البعد النفسي: مكاسب في المجالات التي تعتمد على الخبرة والتجربة وتراكم المعلومات والقدرة على حل المشكلات، ولكن هناك خسائر في المجالات التي تعتمد على الذاكرة قصيرة الأمد، وسرعة تقييم المعلومات.

• البعد الاجتماعي: مكاسب الحصول على نوع من الحرية الشخصية نتيجة تناقص المسؤوليات الوظيفية والأسرية، إمكانية الاستمتاع بالأشياء التي لم يعطها الإنسان الاهتمام الكافي أثناء انشغاله بمسؤولية العمل، الخبرة في التعامل مع متطلبات الحياة، تطور التفكير الإيجابي تجاه الأشياء التي تجلب الرضا والسعادة. ولكن هناك خسارة في الدور القيادي في العمل والأسرة، الشعور بالوحدة، الخوف من المستقبل وإمكانية الحاجة إلى الرعاية من قبل الآخرين.

 

وتتميز ظاهرة الكبر والشيخوخة من الناحية البيولوجية بمجموعة من التغيرات الفيزيولوجية الطبيعية التي تصاحب التقدم في السن، منها:

• ضعف جهاز المناعة، وبالتالي ضعف مقاومة الجسم للأمراض المعدية، ما يجعل المسنين عرضة للعدوى أكثر من غيرهم.

• ضعف قوة القلب على ضخ الدم إلى أنحاء الجسم كافة ما يؤدي إلى ضعف تروية الأعضاء كافة في الجسم.

• ضعف قدرات الدماغ على إنجاز مهامه الحيوية نتيجة لضمور الدماغ التدريجي، إذ يفقد الإنسان بعد سن الثلاثين 100 ألف خلية عصبية يوميا من ضمن خلايا الدماغ البالغة 16 مليار خلية.

• ارتفاع خطر السقوط، وما يتبعه من نتائج مؤثرة على حركة المسن، حيث إن 30 في المئة ممن هم فوق سن الخامسة والستين و50 في المئة ممن هم فوق سن الثمانين يقعون مرة أو أكثر من مرة واحدة كل عام، وينتج عن ذلك كسور مختلفة أهمها كسر عنق عظمة الفخذ، خصوصاً مع تزايد هشاشة العظام.

• النقص التدريجي للقدرات الوظيفة للأعصاب والعضلات (التنسيق بين الأعصاب والعضلات، قوة العضلات، حركة الجسم، سرعة الحركة ورد الفعل) ابتداء من العقد الرابع من العمر، حتى إن مجرد تغيير الموقع من الجلوس إلى الوقوف أو مجرد وضع القدم بشكل مختلف قليلا يمكن أن يؤديا إلى نتائج وخيمة.

• ضعف النظر والسمع التدريجي.

ونتيجة لارتفاع نسبة المسنين المطردة فإن المجتمعات بدأت تكيف نفسها مع هذا الوضع الجديد الذي يتطلب إجراء تغييرات جذرية في مؤسسات الرعاية الصحية والاجتماعية لتأمين الرعاية الطبية والنفسية والاجتماعية للمسنين. كذلك فقد نشأ علم جديد (gerontology) لدراسة حياة المسنين والمشكلات الخاصة التي يعانون منها.

 

رعاية المسنين

يقول د. قشقري إنه في عام 1995 تم في ألمانيا إنشاء «تأمين الرعاية لدى الكبر في السن» ليضمن بجانب التأمين الصحي رعاية المسنين الذين يحتاجون للرعاية في تدبير أمور حياتهم اليومية. أي إن كل فرد في ألمانيا لديه تأمين صحي إجباري وتأمين الرعاية لدى الكبر في السن إجباري أيضا. وتم تصنيف درجة الرعاية التي يحتاجها من تقدم في السن إلى ثلاث درجات حسب المدة التي تتطلبها رعايته كل شهر:

• درجة الرعاية الأولى: أكثر من 60 ساعة شهريا.

• درجة الرعاية الثانية: أكثر من 120 ساعة شهريا.

• درجة الرعاية الثالثة: أكثر من 180 ساعة شهريا.

وحسب درجة الرعاية التي يحتاجها من تقدم في السن فإن التأمين يدفع للقريب الذي يتكفل بالرعاية شهريا المبالغ التالية:

• درجة الرعاية الأولى: 215 يورو.

• درجة الرعاية الثانية: 420 يورو.

• درجة الرعاية الثالثة: 675 يورو.

كذلك يتكفل التأمين بدفع المبالغ التالية شهريا للوازم العناية الطبية:

• درجة الرعاية الأولى: 420 يورو.

• درجة الرعاية الثانية: 980 يورو.

• درجة الرعاية الثالثة: 1470 يورو.

أما إذا تطلب الأمر رعاية المسن داخل مؤسسة صحية فإن التأمين يدفع 1470 يورو شهريا، وفي الحالات الشديدة 1750 يورو.

وحسب نظام تأمين الرعاية لدى الكبر في السن فإن رعاية المريض في بيته ومن قبل أقاربه لها الأولوية.

ويضيف د. قشقري أنه من خلال وجوده في ألمانيا، خلال الفترة الأخيرة، قد تعرف عن كثب على ثلاثة نماذج لرعاية المسنين من أقارب الأصدقاء:

• النموذج الأول (بقاء المسن في بيته مع وجود أحد الأقارب معه): لقد قارب سن والد إحدى الصديقات التسعين عاما، ولم يعد يستطيع المشي وأصبحت قوته الجسدية وذاكرته ضعيفتين، لكنه يستطيع أن يأكل بنفسه إذا وضع الصحن أمامه. وأصبح لديه سيدتان خارجيتان تقومان بالتناوب بإدارة شؤون البيت ومساعدة المريض في أمور حياته اليومية (غسله، تلبيسه، تنويمه، إعطاؤه الأدوية). وتسكن صديقتنا الطبيبة المتقاعدة ابنة المريض معه في المنزل نفسه وتشرف على رعاية البيت، لكنها تتمتع بحرية كبيرة في السفر وقضاء حاجاتها الخاصة.

أي إن السيدتين تديران أمور البيت ورعاية المسن دون وجود ابنة المسن المتواصل في البيت.

• النموذج الثاني (انتقال المسن إلى دار رعاية المسنين مع محافظته على أشيائه الخاصة التي تعود عليها في غرفته): بلغت والدة صديقتنا هذه نحو الخامسة والثمانين، وهي تستطيع المشي والذهاب إلى الحمام بالمساعدة، والأكل بنفسها، لكن دار رعاية المسنين تقدم لها وجبات الأكل الثلاث وتغسل ملابسها وتساعدها في الاستيقاظ والذهاب إلى السرير. وتسكن ابنة المريضة في منزلها الخاص بالقرب منها وتزورها مرات عدة في الأسبوع.

• النموذج الثالث (بقاء المسن في بيته مع تناوب الأبناء في الإشراف على رعايته): والدة إحدى صديقاتنا بلغت تسعين عاما وأصبحت ملازمة للسرير تحتاج لمن يرعاها كليا من ناحية إطعامها وتنظيفها وإلباسها. وتوجد سيدتان ترعيان المريضة وتديران شؤون البيت بالتناوب، مع إشراف أحد الأبناء أو البنات على أمور البيت والرعاية بالتناوب، كل حسب بعده وإمكاناته.

وأجمع أصدقاؤنا كافة على أن رعاية المسن مهمة صعبة للغاية، ولا يمكن إنجازها إلا بالهدوء والتناغم، وأن الأمر الذي يحرصون عليه دائما هو تقديم الشكر والامتنان لمن يقوم بهذه المهمة الصعبة، لأن الحصول على الشخص المناسب ليس بالأمر السهل.

 

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

جميع المشاركات المكتوبة تعبّر عن وجهة نظر كاتبها ... ولا تعبّر عن وجهة نظر إدارة موقعي

لا تنسوا صالح دعائكن بظهر الغيب لصاحبة الوصفة على المجهود

رابط مختصر